الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
72
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والجذاذ - بضم الجيم - في قراءة الجمهور : اسم جمع جذاذة ، وهي فعالة من الجذّ ، وهو القطع مثل قلامة وكناسة ، أي كسرهم وجعلهم قطعا . وقرأ الكسائي جُذاذاً - بكسر الجيم - على أنه مصدر ، فهو من الإخبار بالمصدر للمبالغة . قيل : كانت الأصنام سبعين صنما مصطفة ومعها صنم عظيم وكان هو مقابل باب بيت الأصنام ، وبعد أن كسرها جعل الفأس في رقبة الصنم الأكبر استهزاء بهم . ومعنى لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ رجاء أن يرجع الأقوام إلى استشارة الصنم الأكبر ليخبرهم بمن كسر بقية الأصنام لأنه يعلم أن جهلهم يطمعهم في استشارة الصنم الكبير . ولعل المراد استشارة سدنته ليخبروهم بما يتلقونه من وحيه المزعوم . وضمير لَهُمْ عائد إلى الأصنام من قوله أَصْنامَكُمْ [ الأنبياء : 57 ] . وأجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء محاكاة لمعنى كلام إبراهيم لأن قومه يحسبون الأصنام عقلاء ، ومثله ضمائر قوله بعده بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 63 ] . وهذا العمل الذي عمله إبراهيم عمله بعد أن جادل أباه وقومه في عبادة الأصنام والكواكب ورأى جماحهم عن الحجة الواضحة كما ذكر في سورة الأنعام . وقول قومه مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ يدل على أنهم لم يخطر ببالهم أن يكون كبير الآلهة فعل ذلك ، وهؤلاء القوم هم فريق لم يسمع توعد إبراهيم إياهم بأن يكيد أصنامهم والذين قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ هم الذين توعد إبراهيم الأصنام بمسمع منهم . والفتى : الذكر الذي قوي شبابه . ويكون من الناس ومن الإبل . والأنثى : فتاة ، وقد يطلقونه صفة مدح دالة على استكمال خصال الرجل المحمودة . والذكر : التحدث بالكلام . وحذف متعلق « يذكر » لدلالة القرينة عليه ، أي يذكرهم بتوعد . وهذا كقوله تعالى : أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [ الأنبياء : 36 ] كما تقدم . وموضع جملتي يَذْكُرُهُمْ و يُقالُ لَهُ في موضع الصفة ل فَتًى . وفي قولهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ دلالة على أن المنتصبين للبحث في القضية لم يكونوا